مركز التحقيقات والدراسات العلمية في المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية

113

موسوعه أصول الفقه المقارن

لأنَّ أحدهما على الأقل غير واصل إلى المكلّف ، فلا أثر عملي له ، خلافاً لما إذا كانا قد وصلا إليه ، فإنَّ التنافي يكون حينئذٍ ثابتاً بينهما ، لأنَّ أحدهما ينجّز والآخر يؤمّن . وأمَّا على المسلك القائل بأنّ الأحكام الظاهرية خطابات لتحديد الأهم من الملاكات الواقعية المختلطة ، فالتنافي يكون حينئذٍ ثابتاً بينهما ، سواء وصلا إلى المكلّف أو لم يصلا إليه ؛ لأنَّ الأوَّل يثبت أهمية ملاك المباحات الواقعية ، والثاني يثبت أهمية ملاك المحرّمات الواقعية ، ولا يمكن أن يكون كلّ من هذين الملاكين أهم من الآخر ، كما هو واضح « 1 » . الأمر الثالث : اجتماع الأحكام الوضعية لا إشكال في اختلاف الأحكام الوضعية عن الأحكام التكليفية في إمكان اجتماع بعضها في شيء واحد ، كاجتماع الطهارة والملكية في ثوب واحد . وإن كانت كالأحكام التكليفية في عدم اجتماع بعضها الآخر ، كالنجاسة والطهارة اللتين لا يجتمعان في شيء واحد كالثوب في المثال المذكور ؛ لأنّه إمّا أن يكون طاهراً ، وإمّا أن يكون نجساً . وما ذكره بعض من أنّ الأحكام الوضعية كالأحكام التكليفية في تضادها مع بعضها « 2 » ناظر إلى هذا النوع من الأحكام . ولعلّ عدم اطراد التضاد في الأحكام الوضعية هو الذي دعا الأعلام إلى عدم إدخالها في بحث التضاد في الأحكام ، بل لم يتعرض لها من كان بصدد بيان حالات الأحكام الشرعية بصورة عامة ، كالسيد الصدر الذي تعرض للتضاد بين الأحكام التكليفية تحت عنوان « التضاد بين الأحكام التكليفية » « 3 » ، وترك الكلام عن الأحكام الوضعية وكأ نّها ليس فيها تضاد . ويمكن أن يكون السبب أيضاً هو أنّ التضاد المدّعى بين بعض الأحكام الوضعية ليس إلّامن قبيل التقابل بين الشيء وعدمه ، وهو ممّا لا علاقة له ببحث التضاد بين الأحكام مع بعضها بعض ، بل بين الشيء ونقيضه ، وقد يلوح ذلك من المحقّق النائيني ضمناً ، عندما قال في بحث العقد الفضولي : « ثمّ لا يخفى ما في جوابه عن اجتماع مالكين في ملك واحد ؛ لأنّ اختلاف زمان اعتبار الملكية لاثنين لا يدفع إشكال اجتماع المالكين في ملك واحد في زمان واحد ، فإنّ اختلاف زمان الاعتبار بمنزلة اختلاف زماني الإخبار بوقوع المتناقضين في زمان واحد ، وبمنزلة اختلاف الحكم بحكمين متضادين ، فإنّ حكم الحاكم في يوم الجمعة بكون عينٍ شخصيّةٍ لزيد في هذا اليوم ، مع حكمه في يوم السبت بكون شخص هذا العين في يوم الجمعة لبَكرٍ متناقض » « 4 » . وممّا يساعد على هذا الاحتمال تعبير بعض عن الطهارة بعدم النجاسة « 5 » ، وإن كان يضعّفه تعبير آخرين بأ نّها أمر وجودي « 6 » .

--> ( 1 ) . دروس في علم الأصول 1 : 36 . ( 2 ) . محاضرات في أصول الفقه 4 : 370 ، وانظر : المبسوط ( السرخسي ) 12 : 37 ، 218 و 19 : 32 . ( 3 ) . دروس في علم الأصول 1 : 178 . ( 4 ) . منية الطالب في شرح المكاسب 2 : 66 . ( 5 ) . انظر : الإنصاف ( المرداوي ) 1 : 21 ، كتاب الطهارة ( الأنصاري ) 1 : 348 . ( 6 ) . انظر : زبدة الأصول ( الروحاني ) 4 : 75 .